سنغافورة .. دولة من لا شيىء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التجارب الإقتصادية الناجحة لا تمر إلا عبر نموذجين ..
1 – نمو متصاعد لفترة زمنية تتراوح عادة بين 20 : 40 عام .
2 – حاكم فذ أدرك تجارب النمو السابقة و قرر تطبيقها فى بلده و بالتالى تحقيق النمو فى فترة تتراوح بين 10 : 20 عام على الأكثر .
النموذج الأول موجود و بكثرة نظراً لتضافر جهود أكثر من جيل و أكثر من شخصية حتى تصل الدولة لتلك المرحلة المستقرة من النمو .
و النموذج الثانى قليل نسبياً لأن من الطبيعى أن تكون تلك النماذج إستثنائية و صعبة التكرار و من ضمن هؤلاء #لى_كوان_يو
يقول ( لى كوان يو ) مؤسس سنغافورة فى كتابه #قصة_سنغافورة :
(( هنالك كتب تعلمك كيف تشيد منزلاً .. أو تصلح محركاً .. أو تؤلف كتاباً .. و لكننى لم أر كتباً حول كيفية بناء دولة إنطلاقاً من مجموعة من المهاجرين اليائسين القادمين من الصين و الهند البريطانية و جزر الهند الشرقية أو كيف يكسب شعبها لقمة العيش حين تتوقف عن لعب دورها الاقتصادي السابق كمركز محورى للتصدير و الاستيراد فى المنطقة ))
– أول سؤال سأله ( لى كوان يو ) لنفسه كان :
ماذا تفعل لو لديك شعباً متعدد الأجناس و الأعراق .. متأخر بشدة .. غير متعلم بشكل كبير .. اليأس يدب بين أوصاله ليل نهار .. و فى نفس الوقت بلدك صغيرة .. و لا تملك أى موارد طبيعية .. و لازلت فى مرحلة إنتقالية لإستقلالك عن ماليزيا و تسعى لإعتراف العالم بدولتك .. و لا يوجد لديك جيش و لا شرطة و لا أى مؤسسات ؟
– أدرك ( لى كوان يو ) إن عشان يجمع كل الأجناس و الأعراق دى على حب البلد لازم يتوافر بند مهم جداً من غيره مش هينفع ينفذ أى مخطط إقتصادى فى برنامجه .. العدل .. أعاد هيكلة الجيش و الشرطة و القضاء بناء على أسس العدل و عدم تزكية طائفة على طائفة و على الرغم من وقوع بعض الأحداث الطائفية إلا إن جهاز الشرطة قام بالسيطرة عليها و ساهم فى ده مبادىء العدالة اللى أشرنا إليها و بالنسبة للجيش ظل تطويره سنوياً بشكل تدريجى إلى أن وصل فى عام 1990 لدرجة كفاءة عالية و محترفة و تعتبر سنغافورة حالياً من أكثر الدول من حيث الإنفاق العسكرى دون المساس بأوجه الإنفاق الأخرى و يعتبر جيشها هو الأحدث تكنولوجياً فى منطقة جنوب شرق أسيا .
– التنمية الشاملة اللى حصلت مكنتش سهلة بالمرة و شروطها كانت كتير و أهم الشروط دى :
* حاكم واعى صبور مثابر يقدر يقنع شعبه بفكرته .
* عدل .. حتى فى السلبيات زى البطالة كان هناك عدل فى توزيعها على كافة طوائف المجتمع .
* سلام مجتمعى شبه تام ساعد على قبول أفكار الحاكم .
* شعب محب لبلده و مدرك أن مردود عمله سيعود عليه بالفائدة .
* تنظيم البيئة الإقتصادية من جديد .. و دى لازم نشرحها بالتفصيل :
– إهتم بالسياحة لإنها أقل الأوجه الإستثمارية تكلفة و إعتبرها قاطرة التنمية اللى هتجر باقى القطاعات بالتدريج .. و بالفعل تم إنشاء هيئة تنشيط السياحة و فى فترة قصيرة جداً ساهمت السياحة فى تقليل نسب البطالة و أصبحت مورد رزق لكثير من فقراء سنغافورة و حالياً السياحة هى ثالث مصدر للعملة الأجنبية فى البلاد مع وصول عدد السائحين إلى 5.5 مليون شخص و هو أكثر من عدد سكان سنغافورة الحالى .
– سنغافورة كان فيها فساد طاغى فى كل مفاصل الدولة فتم تعديل النظام القضائى و هيكلته و كمان إنشاء مكتب مكافحة الفساد التابع مباشرة لرئيس الوزراء و تم سن قوانين بإن إجراءات التقاضى متاخدش أكتر من سنة و يتم الفصل فيها مع تغليظ العقوبات و التوسع فى مساءلة أى فرد فى الدولة أياً كان منصبه طالما عليه شبهة فساد و ده خلى الفاسد يفكر ألف مرة قبل الإقدام على أفعاله و ده وصل سنغافورة إنها تبقى فى المركز الأول فى ترتيب أفضل دولة لممارسة الأعمال الاقتصادية و ده للعام العاشر على التوالى و فى المركز الثامن لتقرير منظمة الشفافية و مكافحة الفساد .
– إهتم بالصناعة و حدد ( 4 ) مجالات يبدأ بيهم لعدم إرهاق ميزانية الدولة ..
1- صناعة السفن
2 – هندسة المعادن
3 – الكيماويات
4 – الأدوات الكهربائية
ثم تبعهم بالتدريج بمجالات طرقها لأول مرة زى :
1 – الحديد و الصلب
2 – النقل البحرى
3 – النقل الجوى
4 – مجالات البنوك و التأمين
5 – قطاع البترول و النفط
6 – صناعة البتروكيماويات
– إستقدم أفضل الخبراء و استجلب أفضل خريجى الجامعات العلمية فى العالم و وظفهم بمرتبات خيالية و طلب منهم فى المقابل طلب واحد .. سنغافورة صناعية جديدة .
– وجه جزء كبير من إنفاق الدولة لتدريب العمالة و تطوير أدائهم و إرسال البعثات الخارجية حتى صارت سنغافورة تملك آلاف من العمالة الماهرة و بالتبعية صاروا مدربين للعمالة التى لم تتدرب بالخارج .
– وجه جزء كبير من إنفاق الدولة للتعليم و إختذل جزء كبير من ميزانية التسليح و ضخها فى البنية التحتية التعليمية مع إستقدام خبراء أجانب لتطوير العملية التعليمية .
– إنشاء هيئة التنمية الإقتصادية :
أهم قرار خده ( لى كوان يو ) لإنه بيه لغى البيروقراطية تماماً من سنغافورة و خلى كل إجراءات تأسيس الشركات تخلص فى مكان واحد و فى سرعة فائقة .
– بعد إنشاء الهيئة لم يركن إليها و ساعدها بإنشاء المناطق الصناعية الجديدة بشكل منظم مع مد الطرق لتسهيل الوصول إليها و الخروج منها .
– بدأ محادثات كثيرة و شاقة مع الدول الأجنبية لإقناعهم بجدوى الإستثمار فى سنغافورة و إهتم بأدق التفاصيل حتى وصل بيه الأمر لتجديد و تجميل و تشجير خط سير وفود الدول من المطار و حتى مكان إقامتهم فى الفندق لإعطائهم إنطباع أن سنغافورة تتحرك للأمام و أن بنيتها التحتية جاهزة لإستقبال إستثماراتهم .
– قدر فى فترة وجيزة كسب ود النقابات العمالية اللى كانت بتعطل الإنتاج كتير جداً بإضراباتهم و كسب ودهم كان بإرساء قواعد العدالة الإجتماعية و إعطاء كل ذى حق حقه و بعد أن كانت مصدر إزعاج و تعطيل للإنتاج صارت هى المحفزة للعمال لزيادة الإنتاج و زيادة جودته .
– الهيكلة المصرفية و إنشاء سوق مالى جديد قائم على الشفافية و إعطاء تراخيص للمؤسسات المالية المشهود لها بالنزاهة دون غيرها لبناء سمعة مالية قوية للإقتصاد السنغافورى و ده حصل لما رفضت هيئة الرقابة المالية السنغافورية طلب بنك الأعتماد و التجارة لإنشاء فرع له فى سنغافورة و ده كانت حكومة أبو ظبى هى الشريك الأكبر فيه بالمناسبة و مع الوقت ثبت أن قرار الحكومة السنغافورية كان صائباً فبسبب الفساد فى ادارة البنك إنهار و أغلق عام 1991 بخسائر قدرها 11 مليار دولار .
– ربط العدالة الإجتماعية بالإنتاج و صارح شعبه أن كل ما الإنتاج يزيد فهو يضمن لهم أن نتائج هذا النمو ستعود عليهم و أثبت ده بشكل ممتاز .. إزاى ؟
– الإستعمار كان أنشىء جهاز إسمه ” صندوق التوفير المركزى ” و ده برنامج إدخارى إجبارى على العمال .. فالعامل يقتطع منه 5 % من راتبه و صاحب العمل يقتطع منه نفس النسبة و يأخذها العامل على سن التقاعد اللى كان 55 سنة و بالطبع قيمة العملة بتقل و بالتالى كل ما يخصم من العامل لا يستفاد بيه على مدار عمره و يلاقى إن اللى خده فى سن التقاعد لا يكفيه فربط ( لى كوان يو ) الصندوق ده بمشكلة السكن و أغلب الشعب وقتها لم يكن يملك مسكنه و قال للشعب لكم الحق فى إمتلاك مساكنكم و بدلاً من تعطيل أموالكم فى صندوق التوفير سنعتبر حقكم فيه مقدم 20 % من ثمن الوحدة السكنية و ستسددون باقى قيمتها على 20 سنة بالتقسيط و نتيجة ذلك الآن أن 85 % من الشعب يملك مسكنه ..
– الأمر لم يقتصر على السكن بس بل تعداه كمان للأجور اللى عشانها أنشأ مجلس الأجور الوطنى عام 1972 و اللى من خلاله عمل برنامج لزيادة الأجور و ربطها بكفاءة الإنتاج و تدريجياً لقى الشعب السنغافورى تعبه و جهده بيترجم لإستقرار مادى و معيشى .
– الإقتصاد السنغافورى فى أرقام :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الناتج المحلى الإجمالى : 292.74 مليار دولار
* نمو الناتج المحلى : 2 %
* الصادرات 516.69 مليار دولار
* الواردات 437.94 مليار دولار
* فائض الميزان التجارى : 78.75 مليار دولار
* الدين العام : 103 % من إجمالى الناتج المحلى
* نصيب الفرد من الناتج الإجمالى : 52090 دولار
* الإستثمار الأجنبى المباشر : 29.78 مليار دولار
* إحتياطى النقد الأجنبى : 244 مليار دولار
* معدل التضخم : – 0.5 %
* نسبة البطالة : 3 %
* التعليم : 96.5 %
– سنغافورة الدولة ذات ال 700 كيلو متر مربع و التى زاد حجم أراضيها بمقدار الخمس لإضطرارهم لردم جزء من المياه لكى يتغلبوا على مشكلة الطبيعة الجغرافية .. البلد فقير الموارد حتى أنهم بيستوردوا الرمال لبناء بيوتهم .. البلد ذو ال 5.4 مليون نسمة من أصول صينية و هندية و ماليزية و قوقاز .. مع كل التعقيدات دى تطورت و بعد ما بدأت من تاريخ إستقلالها بدخل سنوى للفرد لا يتخطى ال 1000 دولار و مع الوقت وصل لأحد أعلى الدخول فى العالم ب 52090 دولار أمريكى .
– الكلام عن سنغافورة يطول و لن يكفيه مقال واحد و تم التركيز فى هذه المقالة على كيفية نهوضها و ملامح خطتهم الإقتصادية و لكم أن تتخيلوا أننى لم أذكر مجالات خدمية أخرى زى الصحة و المواصلات و تفصيل لمجال زى التعليم و كافة أوجه إنفاق الدولة و للأمانة تجربة زى تجربة سنغافورة يجب أن تدرس و أن يتعلم أبناء شعوبنا ما لهم من حقوق و ما عليهم من واجبات تجاه وطنهم و يكفى للتدليل على نهضة سنغافورة أن ( لى كوان يو ) نفسه طلب قرضاً من الرئيس السابق جمال عبد الناصر و لكن تم رفض طلبه و واقعنا الحالى يشهد .. من يحتاج إلى من الآن ؟ و لعل الرفض كان فأل حسن عليه لأنه بعدها اقتنع أنه لا تنمية مع قروض و أن الإعتماد على الذات أفضل ألف مرة من الإستدانة و تكبيل إرادة الدولة بمزيد من الأعباء ..
و بعدها بدأت قصة سنغافورة .
روابط :
ــــــــــ