رواندا .. الطريق من الإبادة إلى النمو

رواندا .. الطريق من الإبادة إلى النمو .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وسط تلك القاعة التابعة لجمعية #متواضع_و_برىء الغير رسمية وقف موكانكا إنكاندى ذلك الرجل الأربعينى وسط صمت من كل الحضور و قال ..

( لقد كنت فتاً طائشاً .. نعم أخطأت و ذنبى كل يوم يلاحقنى .. و لا يكاد يمر يوم إلا و أتذكر كم كنت مغيباً حين قررت سلب حياة أحدهم بلا أى دافع حقيقى سوى إعتقادى الخاطىء عنه )

قال تلك المقولة فى إحدى جلسات التأهيل المجتمعى المكملة لأحكام نظام القضاء التقليدى #الجاكاكا للصلح بين المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية و بين أهالى الضحايا ..

* نظرة تاريخية :
ــــــــــــــــــــــــــ

– أصل الصراع يعود إلى خمسينيات القرن الماضى بين أكبر قبيلتين فى رواندا و هما قبيلة #الهوتو و قبيلة #التوتسى .. الهوتو تعيش على الزراعة و يعانى أهلها من الفقر و التوتسى تعيش على تربية الأبقار و بالتبعية حالاً ميسوراً مقارنة بمثيلتها ..

– رغم ذلك لم يكن هناك دوافع ملحة تدعو الهوتو ( 85 % من السكان ) للتعامل بعنف مع التوتسى لولا وجود بلجيكا ذلك المستعمر الأجنبى و التى عمدت إلى تصنيف و تقسيم الشعب و إثارة النعرات القبلية فى نفوس الهوتو و أنهم الأغلبية و الأحق بالثروة و السلطة رغم أن علاقات النسب و المصاهرة كانت قللت كثيراً من الفوارق و قربت بينهم لحد بعيد ..

– مع الوقت زاد التشاحن و زاد الحسد بينهم حتى قام حزب #Parmehutu – الداعى لسيطرة الهوتو على مقاليد الأمور – بعدة مذابح فى حق الأقلية مما زاد من توتر الأحداث حتى تم عزل ملك رواندا و نفيه خارج البلاد و قيام الجمهورية الرواندية الوليدة و معها إستمرت المذابح فى حق التوتسى حتى نزج حوالى 200 ألف منهم فى دول الجوار و عن طريقهم تم تأسيس #الجبهة_الوطنية_الرواندية لتحرير رواندا من تجبر و غطرسة الهوتو ..

– بعد وصول وزير الدفاع #جوفينال_هابياريمانا إلى السلطة عام 1973 بإنقلاب عسكرى إستمر عهد تهميش التوتسى و حرمانهم من كل الإمتيازات السياسية و الإقتصادية المتاحة و إن كان نظراً لوضعه كرئيس للدولة حاول على إستحياء منح بعض الإمتيازات كنوع من المشاركة الشعبية و لكن حتى تلك المحاولات الغير كافية كانت تثير حقد المتشددين من الهوتو و الذين كانوا يرغبون فى إبادة كاملة و تامة للتوتسى ..

– أول أكتوبر 1990 قام عدد من مقاتلى الجبهة الوطنية فى المنفى بالتحرك من الأراضى الأوغندية و إقتحام الحدود حتى وصلوا إلى حدود #كيجالى العاصمة و على الفور طلبت الحكومة المساعدة من فرنسا و بلجيكا و الكونغو الديموقراطية التى كانت تسمى زائير وقتها فصارت الحرب لا غالب و لا مغلوب حتى تم توقيع #إتفاق_أوروشا الذى قضى بتعيين أفراد من الجبهة فى مناصب حكومية مهمة و مشاركة فعالة فى قوات الجيش و دخول قوة من 600 فرد إلى كيجالى و إندماج تدريجى فى المجتمع المدنى ..

– خطوة مثل تلك كانت بالتأكيد لا ترضى المتشددين من الهوتو الذين دبروا لحادثة إسقاط طائرة الرئيس #هابياريمانا فى 6 إبريل 1994 متهمين التوتسى بتدبير الإغتيال و بعد وفاته مباشرة و فى نفس اليوم إندلعت أعمال عنف واسعة ضدهم و لم ترحم أحد حتى المعتدلين من الهوتو الذين كانوا يدافعون عن الإندماج و التعايش السلمى و فى خلال 100 يوم بالتمام و الكمال كان وصل عدد القتلى إلى 934 ألف قتيل مما قضى على حوالى 75 % ممن ينتمون إلى التوتسى و معهم عدد من الهوتو المعتدلين .. حالات إغتصاب موسعة .. حرق للممتلكات من متاجر و أراض زراعية و بيوت و قتل ماشية ..

– ساهم فى تلك الحالة إعلام مغرض حرض عرقية الهوتو على تصفية عرقية التوتسى مدعياً أنهم عملاء و مخربون و أنهم أجانب و أعداء للوطن حتى وصل الأمر بالمحطات الإذاعية الإعلان عن أماكن إقامة التوتسى للتوجه للنيل منهم مما جعل تطهير الإعلام من أول بنود تطوير الدولة بعد إنتهاء تلك المرحلة ..

– فى منتصف يوليو 1994 إنفض غبار ما عرف ب #الإبادة_الجماعية كاشفاً عن أسوأ كارثة إنسانية و إقتصادية و إنشائية فى العصر الحديث من حيث عدد القتلى و إنهيار معدلات الإنتاج الزراعى و تدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل بالإضافة لقطع الرباط المجتمعى بين الشعب و المتهالك أساساً و صعوبة عودته لسابق عهده مرة أخرى ..

* تلك المقدمة الطويلة كانت واجبة للتعريف بحجم الإنجاز الذى تم على الأرض لأن كل المعطيات كانت تقول أن دولة مثل تلك ستظل طوال عمرها فى طى النسيان و لن يسمع بها أحداً يوماً ما .. لكن الواقع شيىء مختلف .. الواقع كان أكثر إبهاراً مما يمكن أن يدركه أى عقل ..

* كيفية النهضة :
ـــــــــــــــــــــــــــ

– الطريق كانت صعبة بالتأكيد بل شبه مستحيلة و لكن الدولة سارت بها فى خطوات سريعة :

– بعد فترة تم تهيئة الأجواء لتقبل فكرة التعايش و المصالحة و أن الضرر أصاب الجميع و إن لم يلتفتوا إلى مصلحة الوطن سيموت الجميع ..

– تم ترشيح 170 ألف شخصية ممن شهد لهم بالنزاهة و الإعتدال للعمل كقضاة فى 12000 محكمة لمحاكمة أكثر من مليون شخص متورطين فى الإبادة الجماعية فيما سمى ب #نظام_الجاكاكا و كانت الأحكام تقوم بالأساس على مبدأ التعايش السلمى فكانت الأحكام تتراوح بين التعويض النقدى أو المساهمة فى حرث الأراضى أو إعادة بناء البيوت التى أحرقوها مما أنشأ رباط إجتماعى مرة أخرى ..

* إرساء مبادىء العدالة الناجزة كانت أهم مسببات التطور الإقتصادى التى تعيشه #رواندا هذه الآيام و الأرقام تظهر و بوضوح ماحدث فالناتج المحلى الإجمالى كان 754 مليون دولار عام 1994 و بمعجزة ما وصل إلى 8.1 مليار دولار فى 2015 مع معدلات نمو تعتبر خرافية وصلت فى 2002 إلى 13.5 % و فى عام 2008 إلى 11.2 % و باقى السنين تراوحت النسبة بين ال 4.7 % إلى 8.8 % نسب عبرت و بصدق عن معجزة مقارنة بوضع الدولة قبل بداية الإصلاح مما أهلها لتكون الدولة صاحبة أعلى معدل نمو فى العالم فى أخر 10 سنوات ..

* وقع إختيارهم على السياحة كأفضل الطرق لجلب العملة الصعبة بالإضافة للسمعة الجيدة للدولة نتيجة الدعاية الإيجابية و بالفعل تم عرض مشروع تطوير حزام كيفو السياحى و الذى يقضى بتحويل الإقليم الذى يقع غرب البلاد إلى منطقة سياحية بمواصفات عالمية و هو بالفعل ما رفع عائد السياحة من 4 مليون دولار عام 1995 إلى 304 مليون دولار فى عام 2014 فالإستغلال الأمثل لمفرداتها السياحية مثل الحدائق العامة و الحيوانات النادرة و حتى المعارض التى أنشئوها للتذكير بالإبادة الجماعية مع تخفيض سعر التأشيرة التى تمنح فى مطار كيجالى ب 100 دولار فقط كلها مفردات ساهمت فى التطور السياحى للدولة و جعلها تساهم ب 8 % من الناتج القومى و أكبر مصادر الدخل الأجنبى ..

* إلغاء البيروقراطية تماماً و تسهيل إجراءات تسجيل الشركات و إستخدام نظام إليكترونى حديث جعل تسجيل الشركات ينتهى فى 6 ساعات فقط مما رفع قيمة الإستثمار الأجنبى المباشر من 2.21 مليون دولار عام 1995 إلى 323 مليون دولار عام 2015 مع رؤية إيجابية جداً تجاه السوق الرواندى فوكالة #فيتش رفعت التصنيف السيادى لرواندا إلى ( B+ ) و تبعتها وكالة #ستاندرد_أند_بورز بنفس الرؤية مفسرين تلك الخطوة بتدفق التمويل الأجنبى المتزايد إلى السوق الرواندى مع الإستقرار السياسى الذى زاد من قدرة الحكومة على السيطرة على أسواق المال ..

* مع هذا التدفق المالى إنخفضت نسبة الفقر حتى 45 % فى 2010 و زادت نسبة المساكن التى دخلها المرافق و المؤهلة للعيش الكريم فى الريف من 37.5 % إلى 53 % عام 2014 مع إصدار قرار بمنع المساكن المصنوعة من القش فى جميع أنحاء الجمهورية ..

* التطور يطول كل شيىء حالياً فى رواندا :

– على مستوى البنية التحتية الإستثمارية تعاقدت رواندا مع موانىء دبى العالمية لإنشاء مركز لوجستى فى كيجالى بعقد إمتياز لمدة 25 عاماً عبارة عن ساحة حاويات مساحتها 12000 متر مربع بطاقة إستيعابية 50 ألف حاوية بالإضافة لمرفق تخزين مساحته 19600 متر مربع بطاقة تخزين 640 ألف طن و مساحة إجمالية للمشروع 90000 متر مربع ..

– و تعاقدت مع شركة كهرباء الكيان الصهيونى لتطوير شبكة الكهرباء و لها حق توزيع الكهرباء الناتجة بعد التطوير إلى رواندا بالكامل ..

– أيضاً بدأ التنقيب الفعلى علن البترول فى بحيرة كيفو مع الإهتمام بقطاع المناجم بحكم أنها دولة واعدة فى الإكتشافات المعدنية و هى غنية بالقصدير و الذهب و معادن نادرة مثل التنجستن و التانتالوم .. كل هذا جعل قطاع المناجم يساهم ب 60 % من إجمالى الصادرات و 3 % من الناتج القومى بالإضافة لجذب الكثير من الإستثمار الأجنبى و توظيف العمالة ..

– بالإضافة لكونها دولة زراعية بالأساس يعمل بها 92 % من القوى العاملة و أهم منتجاتها البن و الشاى و التبغ إتجهت رواندا لتطوير نظام الإستزراع المائى و هو نظام يجمع بين الاستزراع السمكى و الزراعات الملحقة بها بأن يُستفاد من المياه الناتجة من مزارع الأسماك بتمريرها لإستزراع نباتات بشكل رأسى و على هيئة طوابق و هو بهذا لا يحتاج إلى تربة زراعية و أيضاً يعطى ضعف الكمية بمجهود أقل و فى وقت أسرع ..

* الخلاصة :
ـــــــــــــــــــ

– قد تظن أن الأرقام متواضعة و هى بالفعل متواضعة مقارنة بدول متقدمة إقتصادياً لكن من المهم أن تدرك أن رواندا دولة عانت ما لم تعانيه دولة أخرى فى العالم فحجم الكارثة الإنسانية التى مروا بها كان أقوى من قدرة أى شعب على النهوض مرة أخرى ..

تخيل دولة يموت فيها كل يوم 10 آلاف قتيل بمعدل 400 قتيل فى الساعة على مدار 100 يوم !! .. وصل الحال وقت الإبادة أن يخير الرجل بين أن يقتل بالرصاص أو السواطير و من يختار الرصاص عليه أن يدفع مالاً مقابل أن يموت بسرعة دون تعذيب .. كيف بعد ذلك تتوقع أن تقوم لتلك الدولة قائمة ؟

– رواندا الدولة المريضة الفقيرة المتأخرة تخصص 27 % من إنفاقها على الصحة و 17 % على التعليم أى تقريباً نصف ميزانيتها لتطوير الإنسان الرواندى فقط قبل أى تنمية أخرى مما أدى لخروج رواندا من نطاق #الإقتصاد_الهش حسب تقرير منظمة التعاون الإقتصادى و التنمية الذى ضم 51 دولة و للمفارقة المؤسفة دخلت #مصر هذه القائمة لأول مرة فى تاريخها فى فبراير 2016 ..

– دولة برغم فقرها و صغر مساحتها 26300 كيلو متر و بعدد سكان 11.6 مليون نسمة و لا تملك ثروات معدنية أو نفطية و ليس لها منفذ بحرى إستطاعت أن تخرج من محنتها فى وقت قياسى و تسير فى طريق النمو و أن تصبح كيجالى هى أجمل عواصم إفريقيا عام 2015 كشهادة على هذا النمو .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ