* شتاء 1521 ..
وقف ذلك العجوز الذى يرتدى معطفاً من الجلد و قبعة من الريش يرتجف أعلى تل يطل على مدينته المحببة #تينوتشتيتلان ينظر إلى كم الخراب الذى أصابها من مزارع محترقة و بيوت مهدمة و دماء شعب #الآزتيك تغرق الشوارع على يد الغزاة الإسبان و زعيمهم #إرنان_كورتيز
مع تلك الليلة إنتهى عهد الرخاء الإقتصادى و الوفرة الزراعية و التجارة و الإقتصاد المزدهر لحضارة الآزتيك ..
وقف يرتجف و لا يعلم لماذا ..
هل بسبب البرد أم بسبب الخوف من القادم ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شتاء 1994 ..
وقف المزارع ( هيدالجو ) ذو الستة عشر عاماً بملابسه المتسخة و الممزقة مرتجفاً ينظر إلى المبانى الحكومية التى أحرقها هو و زملاؤه فى #جيش_الزاباتيستا داخل مدينة #سان_كريستوبال و أعمدة الدخان تعلو فى السماء من أماكن متفرقة ..
مع تلك اللحظة لا عودة للوراء إلا بتحقيق مطالبهم فى تحسين أجورهم و أوضاعهم المعيشية ..
وقف يرتجف و لا يعلم لماذا ..
هل بسبب الجوع أم بسبب الخوف من القادم ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بين هذين الموقفين مئات من السنين حملت الكثير من الخير و البؤس فى نفس الوقت للشعب المكسيكى .. تطورها الزراعى الملحوظ فى العصور القديمة و إن كان الإقتصاد وقتها يعتبر بدائى حمل خيراً كثيراً للشعب و ساعد فى سد إحتياجاته بالكامل و مقابل ذلك الرخاء كان هناك عدم إستقرار سياسى و إضطرابات و نزاعات حدودية إستمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر ..
* فى البداية إستقلت تكساس .. ثم بعدها الحرب الأمريكية المكسيكية .. ثم تنازلت لأمريكا عن كاليفورنيا و نيو ميكسيكو و أجزاء من أريزونا .. كل تلك الإضطرابات عطلت عجلة الإقتصاد القائم أساساً على الزراعة و تدريجياً بدأ الفحم يأخذ مكانه كنشاط صناعى وليد ..
* هل إنتهى الأمر هكذا ؟ بالطبع لا ففى عام 1910 قامت الثورة المكسيكية بسبب تزوير الإنتخابات لصالح الديكتاتور #بورفيريو_دياز و قامت بعدها حرب أهلية راح ضحيتها حوالى 900 ألف مكسيكى حتى بدأت الأمور فى الهدوء و تم صياغة دستور جديد و كان بداية لأول مرحلة إستقرار تشهدها المكسيك منذ فترة طويلة ..
* بداية تحول المكسيك لدولة صناعية تم بعد إكتشاف البترول فى أوائل العشرينات و معها تدريجياً تحول إقتصاد الدولة إلى التوجه الصناعى و توالت عروض العمل من الشركات الأجنبية لإستخراج البترول و هو ما صعد بالناتج القومى المكسيكى لمعدلات كبيرة مقارنة بوضعه السابق ..
* #لازاروا_كارديناس إسم يذكر بكل خير فى أرجاء المكسيك فهو يعتبر صاحب الفضل فى تهيئة الأرضية القوية التى سيقوم عليها الإقتصاد خلال الأربعين عاماً القادمة ..
– حاكم ولاية #ميشواكان رأى بعينه الحياة التعيسة التى كان يحياها أهل الولاية و معدلات الفقر المتزايدة فوجه أغلب ناتج الولاية لتعديل الوضع الإجتماعى بها فذاع صيته حتى وصل إلى رئاسة الحزب الثورى الحاكم ثم إلى رئاسة البلاد عام 1930 و مع إنتخابه بدأت مرحلة فارقة فى عمر الإقتصاد أولها هو تقسيم الأراضى الزراعية و توزيعها على الفلاحين فى برنامج إصلاح إقتصادى جديد ..
– فى حين كانت الشركات الأجنبية التى كانت تستخرج البترول من أراضى المكسيك تعد أرباحها المليونية كان يعيش أغلب الشعب فى الأكواخ و مساكن من الصفيح مع معدلات فقر تتزايد فثارت ثورة العمال و نظموا إضراباً فما كان من #كارديناس إلا الإنضمام إليهم و أنذر الشركات بتحقيق مطالب العمال .. رفضت الشركات إعتماداً أن أغلبها شركات بريطانية فما كان منه إلا أن أمم كل الشركات العاملة فى المكسيك وقتها و كان عددها 7 شركات فى مارس 1938 و جمعهم تحت إسم الشركة الوطنية #بيميكس .. بعدها فرضت بريطانيا حظراً على إستيراد البترول من المكسيك و كاد الحظر أن يتسبب بإنهيار الإقتصاد وقتها لولا أن الحرب العالمية الثانية بدأت و معها إشترت ألمانيا و إيطاليا النفط المكسيكى و معدل الطلب على البترول وقتها كان يتزايد بإطراد نظراً لإحتياج الدول المشاركة لمصادر طاقة بإستمرار و مع ضرب إيطاليا لخط إنتاج البترول فى البحرين و السعودية و الذى كان يمد بريطانيا و أمريكا بالطاقة فلم تجد بريطانيا مفر من إلغاء الحظر و العودة لشراء البترول منها مجدداً و لكن بعد التصالح مع الشركات البريطانية و دفع مبلغ 120 مليون دولار لهم ..
* فى الفترة من 1940 و حتى 1980 و نظراً لإرتفاع أسعار البترول نما الإقتصاد المكسيكى حتى سميت تلك الفترة بالمعجزة الإقتصادية المكسيكية و حاول الحكام وقتها تحسين و تعديل البنية التحتية فى الدولة و لكن دائماً كان ينقص الإقتصاد شيئاً مهماً .. التنوع فإعتماد الدولة الأساسى كان على البترول و الزراعة بالإضافة بالطبع إلى النشاط الصناعى فى مجال الأسلحة فقد كانت الحرب العالمية سوق عملاقة تكفى الجميع و نالت المكسيك نصيبها منها بكل تأكيد .. كل ذلك لم يكن كافى بسب زيادة عدد السكان الذى زاد من 20 مليون نسمة فى 1940 إلى 69.3 مليون نسمة فى 1980 و بالتالى لجأ أغلب الشعب إلى الحرف اليدوية و المشاريع الصغيرة لسد إحتياجاتهم .. و بالرغم من نمو الإقتصاد رقمياً إلا أن السمة الغالبة على الشكل العام للدولة كانت الفقر ..
* بسبب التقديرات الخاطئة لقوة الإقتصاد المكسيكى وقتها و إطلاق مسمى المعجزة الإقتصادية عليه تعرضت المكسيك لأول أزمة إقتصادية فى تاريخها عام 1982 فمن أطلقوا ذلك اللقب عليها كان لهم الحق على صعيد الأرقام فالناتج المحلى تضاعف 19 مرة و زاد من 13.06 مليار دولار عام 1960 إلى 250.08 مليار دولار عام 1981 و لكنهم تناسوا أن تلك الطفرة كانت بسبب الإكتشافات البترولية المتزايدة فى خليج المكسيك فى فترة السبعينات و مع أول إنخفاض فى أسعار البترول و مع التوسع الشديد فى الإقتراض وقتها وجدت المكسيك نفسها أمام مشاكل كثيرة .. تم تخفيض قيمة العملة .. زاد التضخم .. إرتفعت نسبة الفائدة .. عجزت عن سداد ديونها .. تدريجياً و مع بعض الإصلاحات و جدولة الديون خرجت المكسيك من أول أزماتها الإقتصادية الحديثة ..
* مع تطبيق الإصلاحات و التقدم التدريجى فى نسب النمو و الناتج المحلى حتى وصل إلى 527.32 مليار دولار فى عام 1994 رأت المكسيك أن عليها الإنفتاح أكثر على العالم إن كانت تريد أن تجد موطىء قدم لها فى نادى الكبار مع هذا الإنفتاح واجهت المكسيك ثانى أزماتها الإقتصادية و أعنفها على الإطلاق ..
– الرئيس #كارلوس_ساليناس_دو_جورتارى و الذى كانت تنتهى ولايته فى عام 1994 كان قد إتخذ بعض القرارات لتوجيه الإقتصاد ناحية الرأسمالية و السوق المفتوح بالتدريج حتى وصل الأمر ذروته فى نفس العام حين قرر إنشاء إتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية #NAFTA لتسهيل حركة رؤوس الأموال و بالطبع تقليل القيود على الواردات تلك الإتفاقيات لا تأتى بمزاياها فقط بل تأتى أيضاً بعيوبها فالتوسع فى الخصخصة و رفع يد الدولة عن مناحى إجتماعية تمس حياة المواطنين و تركهم لقمة سائغة فى يد الرأسماليين فى آلية إقتصادية دفع ثمنها الفقراء من الشعب و دفعهم دفعاً تجاه الثورة ..
– السكان الأصليين يقطنون الجنوب .. يعملون بالزراعة و يشعرون دائماً بالإضطهاد إما لإعتبارات تاريخية لسلبهم أرضهم بالقوة من الغزاة أو لإعتبارات واقعية يعيشونها لتهميشهم و عدم الإلتفات لمطالبهم لرفع مستواهم المعيشى و مع سريان إتفاقية النافتا رأوا أن القادم أسوأ و أن السياسات الرأسمالية ستزيدهم فقراً على فقرهم و هو ماحدث بالفعل حينما دخلت مليارات الدولارات إلى السوق المكسيكى و لكن فى صورة أسهم لكبرى الشركات و البنوك و ليس فى مشاريع إنتاجية تخدم الشعب و تقلل نسبة بطالته و عليه حدث ما كان غير متوقع تماماً ..
– فى الوقت الذى إحتفلت فيه السلطة بالشراكة الرأسمالية الجديدة مع قطبين من أقطابها الولايات المتحدة و كندا هاجم جيش مكون من 800 فرد بقيادة القائد #ماركوس و إحتلوا مدينة #أوكوسينجو وسط ولاية #تشيباس و أتبعوها ب إحتلال 5 مدن أخرى .. هربوا السجناء .. أحرقوا المنشآت الحكومية و استولوا على مبنى الإذاعة و أصدروا بياناً يطلبون فيه طلباً واحداً .. العدالة الإجتماعية ..
– إنتهت الإنتفاضة بعد سنتين بخسائر بشرية بأكثر من 400 قتيل و تدمير فى البنية التحتية فى المدن التى تم السيطرة عليها و بتراجع إنتاج المحاصيل الزراعية و بهبوط حاد فى معدل نمو الناتج الإجمالى وصل إلى – 5.76 % .. إنخفض الإحتياطى النقدى الأجنبى من 28 مليار دولار إلى 4 مليار فقط و معها تحركت الولايات المتحدة الأمريكية لإنقاذ المكسيك من الإنهيار الإقتصادى و أقرضتها بسخاء فخصصت لها 20 مليار دولار و 17 أخرى من صندوق النقد الدولى بالإضافة إلى 10 مليارات من البنك الدولى و مليار دولار من #نادبنك و هى الآلية التى إنبثقت من إتفاقية التجارة الحرة .. أمريكا فعلت كل ذلك لأنه يهمها فى المقام الأول إستقرار الدولة التى تشترك معها فى حدود بريه قدرها 3200 كيلو متر و عدم إستقرارها يعنى هجرة عكسية لأراضيها ..
* تعانى المكسيك و على مدار عقود من ظاهرة تفشى تجارة المخدرات حيث يوجد على أراضيها 8 عصابات منظمة لتجارة المخدرات متهمة دائماً بالإضرار بالإقتصاد و الفساد السياسى عن طريق تجنيد أفراد من الجيش و الشرطة و القضاء و الصحافة و الإعلام بالإضافة إلى أنها تقوم بتصدير 90 % من حجم المخدرات المهربة إلى الولايات المتحدة مما دعا الدولة للدخول معها فى حرب إستنزافية بداية من 2006 أدت إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة للطرفين وصلت إلى عشرات الآلاف غير الخسائر المادية ..
* أخيراً :
ـــــــــــــ
المكسيك ..
– بمساحة أراضى 1.972 مليون كيلو متر و بعدد سكان 127 مليون نسمة و بتنوع عرقى من 4 عرقيات و ب 63 لغة مختلفة و بتنوع بيئى و بيولوجى كبير إستطاعت أن تقوم بتنمية شاملة فى مجالات الصحة و التعليم مع تميزها فى مجال السياحة و أصبحت قبلة لهجرة الأجانب إليها حتى إن معدل الهجرة بينها و بين الولايات المتحدة الأمريكية فى أخر 3 سنوات صار عكسياً و لولا ضيق المساحة لتكلمنا أكثر عن تنمية تلك القطاعات ..
– دولة كانت طاردة للإستثمار و لا تملك بنية تحتية قوية تسعف أى نشاط إستثمارى الآن هى أكبر منتج للفضة و عاشر منتج للبترول و سادس منتج للإليكترونيات و سادس أكثر بلد يحتوى على آثار و عاشر قبلة سياحية فى العالم و أغلب شركات صناعة السيارات لديها مصانع بالمكسيك ..
– المكسيك التى لا نعرف عنها فى بلادنا غير الفساد و المخدرات و الفقر و إنعدام الآمان و بكل إختلافاتها العرقية و المذهبية عملت و إجتهدت و من الواضح أنها عازمة على مواصلة مشوار التقدم .. بناتج إجمالى وصل إلى 1.144 تريليون دولار و فى المركز ال 15 عالمياً و بمعدلات نمو متقاربة و مستديمة يرى أغلب الإقتصاديين أن المكسيك ستكون ضمن أكبر 5 إقتصاديات فى العالم بحلول عام 2050 ..
الإقتصاد المكسيكى فى أرقام :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الناتج المحلى الإجمالى : 1.144 ترليون دولار
* إجمالى الديون : 447.80 مليار دولار
* نمو الناتج المحلى : 2.5 %
* الصادرات :403.83 مليار دولار
* الواردات : 429 مليار دولار
* عجز الميزان التجارى : 25.17 مليار دولار
* نصيب الفرد من الناتج الإجمالى : 9009.3 دولار
* نصيب الفرد من الديون : 3526 دولار
* الإستثمار الأجنبى المباشر : 18.16 مليار دولار
* إحتياطى النقد الأجنبى : 173.46 مليار دولار
* إحتياطى الذهب : 4.19 مليار دولار
* معدل التضخم : 2.7 %
* نسبة البطالة : 4.9 % من إجمالى القوى العاملة
مراجع :
ــــــــــــ