إيران .. طموح إقتصادى و رغبة فى الهيمنة .

إيران .. طموح إقتصادى و رغبة فى الهيمنة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السابعة مساءاً ..

5 نوفمبر 1979 ..

تشارلز نيلسون يحمل حقيبة يد و يسير بسرعة محاولاً قدر الإستطاعة عدم لفت الإنتباه إليه .. تنكر قدر المستطاع محاولاً إخفاء هويته كأمريكى .. نظارة .. شارب مستعار .. قبعة رأس .. عمله كمراسل لن يغنى عنه شيئاً و لن يفيده فى تلك الظروف ..

لقد أمضى تشارلز الساعات الماضية محاولاً جمع كل متعلقاته بأقصى سرعة لمغادرة إيران .. #الشاه مريض فى أمريكا و أمريكا ترفض تسليمه .. أنصار #الخمينى إقتحموا بالأمس السفارة و احتجزوا رهائن .. لو تم التعرف على هويته لقتل فى الحال .. يجب الوصول لمطار طهران بأقصى سرعة ..

ساعات مريرة مرت حتى جلس على كرسيه فى الطائرة .. نظرة خاطفة على مطار طهران من الأعلى .. حمداً لله على نجاته لكن من المؤكد أن القادم مختلف .. أكثر صدامية .. و أكثر إضطراباً ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* قامت الثورة فى #إيران لأسباب بلا شك .. فهناك ملك يميل للغرب بشده و يميل أكثر لمظاهر الحداثة الأوروبية و يحاول جر إيران معه إلى تلك المظاهر .. ملك يحب مظاهر البذخ و يميل بشده للنظام الرأسمالى .. نظام ظلم كثيراً من الإيرانيين و مع ذلك لم يوجد ذلك النظام تنوع فى المشروعات الإستثمارية .. فقط النفط هو من يرفع كفة الدولة أو يهبط بها .. و معه وقع عدداً ليس بالقليل من الشعب فى براثن الفقر ..

* لم يكن فقط الفقر أو الرأسمالية هم من دفع الشعب للثورة على الشاه .. فهناك إتهامات العمالة للدول الغربية و الإعتراف بإسرائيل كأسباب تكفى لقتله لا للثورة عليه .. كان الشعب يرى فى الملك حجر عثرة فى طريق التقدم و النمو .. يجب إزالة هذا الحجر حتى تستطيع إيران النهوض .. يجب و بأى شكل من الأشكال ..

* هناك إسلاميين و زعيهمهم #روح_الله_الخمينى و هناك يساريين و شيوعيين و ليبراليين لكن الخمينى كان أكثر الأطراف تأثيراً .. هو من يخطب فى الناس .. هو من يثير حماسهم .. هو من يستطيع تحريك الشارع .. فى سبتمبر 1961 أصدر رئيس الوزراء #أسد_الله_علم تعديل على قانون المجالس المحلية أهم ما جاء فيه هو إلغاء القسم على القرءان الكريم عند التوظيف فى تلك المجالس على أن يحل محله أى كتاب سماوى آخر .. هنا هاجم الخمينى الشاه صراحة و ظهرت العداوة صريحة بين الرجلين لم تخفت نسبياً إلا بعد نفى الخمينى إلى تركيا و مراقبته و منعه من القيام بأى أعمال سياسية ..

* نفى الخمينى قد يكون ساعده أكثر فى تأجيج نار الثورة فى قلوب الإيرانيين و ساعده أكثر نظام الشاه نفسه الذى أغرق إيران فى بحر من الديون و زادت معدلات الفقر بشكل كبير و ظهرت الرأسمالية بوجهها القبيح فصار هناك الملك و حاشيته و المنتفعين من وجوده و تكدست الثروة فى يده و يد رجاله فقط ما زاد من فقر الشعب الإيرانى و قسمهم بين رأسمالى يتحكم فى أرزاقهم و لا يعطيهم ما يستحقون و شعب فقير يكاد لا يجد قوت يومه .. المعادلة كل يوم كانت تتضح أكثر .. تضخم .. زيادة أسعار .. فقر .. بطالة .. ذل و خنوع و تبعية للغرب .. كل ذلك كان يوحى بأن القادم صعب .. بأن القادم ثورة لن تبقى و لن تذر .. و لكن الشاه لم يدرك مدى سوء الوضع إلا عندما ثارت عليه الجماهير فى يناير 1978 و إستمرت حتى فبراير 1979 و معها عاد الرجل الذى كان سبباً فى تهيئة الشارع للثورة .. الخمينى ..

* بسبب موازين القوى وقتها و وجود الخمينى فى صفوف التيار الإسلامى فقد إستأثر بكل مزاياها و نصب نفسه زعيماً عليها .. الحق يقال الرجل كانت لديه شعبية جارفة و لكن تلك الشعبية جعلته يتطرف فى إتخاذ قراراته ففى الوقت الذى أعلن فيه رئيس الوزراء #شابور_بختيار حل البوليس السياسى و الوعد بإنتخابات نزيهة و الإفراج عن السجناء السياسيين و أعلن خطة تستوعب كل القوى التى قامت بالثورة جاء الخمينى فى 1 فبراير 1979 و عين #مهدى_بارزكان رئيساً للوزراء و قال بما أنى قد عينته فيجب أن يطاع و أن تلك الحكومة هى حكومة الله و أى عصيان لها هو عصيان لله فأنقسم الجنود بين مؤيدين و معارضين له فأعلن الجهاد ضد المعارضين و خلال 10 أيام فقط و فى يوم 11 فبراير كانت إيران كلها قد دانت للخمينى و لثورته ..

* كل ما سبق كان توضيح للحالة الإجتماعية و السياسية التى أدت إلى الثورة و من ضمنها بالتأكيد سوء الوضع الإقتصادى القائم على النفط منذ عام 1913 تاريخ بداية تصديره و رغم العوائد العالية نتيجه بيعه إلا أن نظام الشاه لم يعدل فى توزيع تلك العوائد مما أدى للثورة .. هذا لا يعنى أن القادم أفضل و لكنه شرح لفترة ما قبل الثورة ليس أكثر فما حدث بعدها يعتبر الوجه الآخر للعملة و لا يفرق عنه كثيراً ..

* قامت الثورة لتلغى الرأسمالية التى سارت عليها الدولة لعشرات السنين و بالتالى كان البديل الجاهز لها هى الشيوعية و لكن من منظور إسلامى فتركزت كل الأنشطة الإقتصادية الكبيرة تقريباً فى يد الدولة التى تملكت الصناعات الإستراتيجية و التجارة الخارجية و المعادن و المصارف و شركات الطاقة و شبكات الرى و السدود و شركات النفط و وسائل الإعلام و البريد و التليفون و الطيران و الشحن و السكك الحديدية و السفن .. الدولة لم تترك نشاطاً كبيراً إلا و أمتلكته .. بالطبع إحترمت الدولة الملكية الخاصة لأنه حق مشروع و له سند دينى و لكن الثورة و ما تلاها جعل الإستثمار الأجنبى شبه غير موجود و غير مرحب به أيضاً لأنه بحكم الدستور تم حظر منح الإمتيازات للأجانب فى تكوين الشركات فى مجالات مثل الزراعة و التجارة و الصناعة و المناجم و الخدمات ..

* الثورة و من بعدها الحرب العراقية كان لهما أكبر الأثر فى تأخر معدل الإنتاج فبعد إنتهاء الحرب وصل الناتج المحلى الإجمالى إلى 63 مليار دولار بعد أن كان 209 مليار مع عجز فى ميزان المدفوعات وصل إلى 9.5 مليار دولار و زيادة معدل الواردات إلى 38 % بدلاً من 24 % .. تأخر كان لابد و أن يتبعه تغيير فى السياسات الإقتصادية خصوصاً مع مطالبة المجتمع الإقتصادى بمزيد من الإنفتاح على العالم ..

* إيران ليست لاعباً إقتصادياً مؤثراً بتلك الدرجة و أثرها يرتبط بالنفط فهى رابع أكثر الدول من حيث الإحتياطى البترولى ب 157.3 مليار برميل و كانت وصلت فى أفضل سنواتها أن تكون رابع منتج عالمى للبترول بأكثر من 4 ملايين برميل يومياً فالإقتصاد يقوم على منتجين أساسيين هما المنتجات النفطية و صناعة السيارات .. و على الرغم من ذلك فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها بعد حادث إقتحام سفارتها المعروفة ب #أزمة_الرهائن بالإضافة لتجميد أرصدتها و التى وصلت قيمتها إلى 107 مليار دولار و وصل الأمر إلى حظر تجارى كامل عام 1995 ..

* لم تكتفى أمريكا و من ورائها الأمم المتحدة بذلك فبسبب توسع إيران فى برنامجها النووى بدءاً من عام 1989 قامت الأمم المتحدة بفرض عقوبات من شأنها تقويض إستيرادها لأى منتجات تساعدها على تخصيب اليورانيوم أو المياه الثقيلة ثم توسعت تلك العقوبات فى العامين التاليين لتشمل منع التعامل مع البنك المركزى الإيرانى و مع شخصيات و منظمات إيرانية و أيضاً حظر للسفر و على الأصول الخاصة بشخصيات إيرانية بارزة أغلبها مرتبط الحرس الثورى الإيرانى ..

* العقوبات كان الهدف منها عزل إيران تجارياً و صناعياً عن العالم و هو ما أدى لتراجع كبير فى حجم الصادرات خاصة النفطية منها فتراجع معدل التصدير من 2.5 مليون برميل يومياً إلى أقل من مليون برميل و تراجعت صناعة السيارات ثانى أكبر صناعة بالدولة و هى التى تنتج أكثر من مليون نصف سيارة فى العام عن طريق 13 شركة أبرزهم شركة #إيران_خودرو .. رافق إنخفاض الصادرات زيادة فى الواردات و التى تكلف إيران مبالغ إضافية وصلت إلى 30 مليار دولار نظراً لأنها تأتى عن طريق وسطاء ..

* لم يكن العزل فقط هو الهدف فالهدف أيضاً هو كسر شوكة #الحرس_الثورى_الإيرانى و #المرشد_الأعلى_للثورة فطبقاً لتقارير أعدتها #وكالة_بلومبيرج و #رويترز فالمرشد متهم بالسيطرة على مؤسسات مالية مثل مؤسسة #ستاد و التى يرجح أن يكون رأسمالها 95 مليار دولار و لا تراقب من قبل مجلس الشعب و هى مؤسسة متهمة بالإستحواذ على أنصبة فى الشركات و المؤسسات الإيرانية و من ثم تكون بوابة خلفية لعمليات مشبوهة خصوصاً مع تأكيد الوكالات أن الأصول المالية التى بدأت بها المؤسسة تمت مصادراتها من المعارضين و الأقليات الدينية .. الحرس الثورى لم يسلم هو الأخر و تم إتهامه أنه يسيطر على قطاع النفط و الإتصالات و يدير إمبراطوريته من خلال شركة #خاتم_الأنبياء و التى يعمل تحت يديها 800 شركة نفذت أكثر من 1200 مشروع حكومى من عام 1990 و حتى 2007 .. مثل تلك الأنشطة تمثل هاجس مرعب لدى الدول الغربية لأنها تعتبر مورد محتمل لتمويل نشاط إيران النووى ..

* بعد إتفاق إيران و مجموعة الدول الست الكبرى على إلغاء العقوبات الدولية مقابل تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم حدثت طفرة إقتصادية و لكنها لا تزال غير كاملة فتوقيع عقد روسى بقيمة 5 مليارات دولار للإستثمار فى مجال التكنولوجيا و توقيع إتفاقية مع ألمانيا لإنشاء محطة طاقة شمسية و خط الغز الطبيعى مع سلطنة عمان و التعاقدات فى مجال صناعة السيارات بالإضافة لتضاعف صادرات إيران من النفط و وصوله إلى 3.6 مليون برميل يومياً و الذى لم يفدها على الإطلاق فضخ البترول الإيرانى زاد من المعروض منه فى الأسواق العالمية مما أوصل سعره إلى 30 دولار مع التوقع بوصوله إلى 25 دولاراً للبرميل فى حالة إستمرار زيادة معدلات الضخ ..

* كل هذا كان أقل من المتوقع حيث كانت الحكومة و قبله الشعب يحلمون بضخ إستثمارت بين 200 و 300 مليار دولار و هو ما رفع من درجة طموحهم لأن يكونوا نمر إقتصادى آسيوى جديد و بدلاً من أن يحدث ذلك إستقرت معدلات البطالة عند 12.8 % و لازال معدل التضخم عالياً بمعدل 13.7 % ..

* يمكن تلخيص قصة إيران بأنها دولة ذات تاريخ و حضارة تحاول جاهدة إسترجاع تلك الحضارة بعد تأخر لسنين طويلة و طموحها يتنامى كل يوم عن سابقه و أول ركائز عودتها هى قوتها العسكرية و الإقتصادية ..

– عسكرياً تحاول إمتلاك قنبلة نووية رغم النفى المتكرر منها إلا أن علاقتها مع الدول الغربية تثبت عدم جديتها فى هذا ..

– إقتصادياً عن طريق التوسع فى إقامة علاقات طيبة مع دول مثل الصين و روسيا و سوريا و قبلهم بفترة فنزويلا و السودان و إفتتاح أسواق جديدة لمنتجاتها قدر المستطاع ..

* إقتصادها ليس بالقوى و لا بالضعيف تملك مميزات و يعاب عليها سطوة الدولة ممثلة فى القطاع العام و الحرس الثورى على المقدرات الإقتصادية بشكل شبه تام .. من يعلم قد تستطيع إيران إختبار قنبلة نووية يوماً ما و عندها ستتغير المعطيات تماماً و ستصبح إيران بفعل قوة هذا السلاح قوة إقليمية مؤثرة بشكل مؤكد و ستصبح مغامراتها التى تقوم بها فى دول الجوار هذه الآيام حقاً مكتسباً لها و ليست مغامرة عابرة .. إيران تسعى للهيمنة على المنطقة و لكن ينقصها التمويل و هو ما تحاول إن توفره على مدار السنين السابقة ..

الإقتصاد الإيرانى فى أرقام :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الناتج المحلى الإجمالى : 425.33 مليار دولار
* إجمالى الديون : 63 مليار دولار
* نمو الناتج المحلى : 4.3 %
* الصادرات :51 مليار دولار
* الواردات : 53.8 مليار دولار
* عجز الميزان التجارى : 2.8 مليار دولار
* نصيب الفرد من الناتج الإجمالى : 5442.9دولار
* الإستثمار الأجنبى المباشر : 0 مليار دولار ( 2012 )
* معدل التضخم : 13.7 %
* نسبة البطالة : 12.8 % من إجمالى القوى العاملة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ