الأرجنتين .. أزمة ديون لا تنتهى ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– مارس 1996 .. مبنى البرلمان .. وزير الزراعة #فيليبى_سولا :
( جئت اليوم أطلب منكم تشريعاً يسمح لنا بزراعة الصويا المعدلة وراثياً )
– ديسمبر 2001 .. ساحة العاصمة .. الأرجنتينيون يحملون أوانى طعام فارغة و يصرخون نحن جياع .. نريد الطعام .
– أغسطس 2003 .. مؤتمر صحفى .. وزير الإقتصاد #روبيرتو_لافانيا :
( الوقوع فى فخ السياسات و التعديلات التى أوصى بها صندوق النقد الدولى هو خطأ كبير )
– فبراير 2016 .. مبنى البرلمان .. الرئيس الأرجنتينى #ماوريسيو_ماكرى بنبرة حزينة و منكسرة ..
( نحن دولة مفلسة .. الحل فى معدل نمو عالى لفترة 4 سنوات كخطوة أولى .. الوضع سيتحسن و لكن بعد فترة .. لدينا إمكانيات تؤهلنا لأفضل من ذلك لكن و فى حقيقة الأمر نحن مفلسون )
– 20 عاماً تحولت فيها الأرجنتين من دولة بدأت ثورة زراعية ساهمت فى زيادة صادرتها الزراعية بشكل كبير رغم المحاذير الصحية فى عملية التعديل الوراثى إلى دولة مفلسة تحاول التفاوض مع دائنيها لتخفيض ديونها دون جدوى .. لكن لنعرف الحقيقة لابد لنا من العودة للماضى .. فهل الأرجنتين بالفعل مفلسة ؟! للقصة أبعاد أخرى ..
– دولة كانت من أغنى دول العالم حتى أوائل الثلاثينيات فما الذى حدث حتى تفقد مكانتها بهذا الشكل ؟
* الإجابة بكل وضوح و إختصار هى ( 6 ) إنقلابات عسكرية دموية تمت بين أعوام 1930 و 1976 أقواهم إنقلاب 1976 على يد الديكتاتور #خورخى_فيديلا
* عشرات آلاف القتلى و الجرحى و المختفين قسرياً .. إنهيار قيمة العملة بالتدريج .. زيادة البطالة و التضخم .. إقتراض بشكل كبير و على نطاق واسع من كل المؤسسات المتاحة و ليت كانت هذه القروض تضخ فى الخزانة العامة للدولة بل كانت تضخ فى المشاريع الإستثمارية الخارجية للعسكريين فى آلية فساد أطلق عليها الشعب ( الدراجة المالية )
* مع وصول الديون لذلك الحد و إقتراب النهاية وجد العسكريين أن أسلم حل هو إثارة النعرة الوطنية فى نفوس التعساء من الشعب فاختلقوا حرباً مع بريطانيا على جزر فوكلاند المتنازع عليها فى عام 1982 و هى كانت القشة التى قسمت ظهر البعير لأنهم هزموا شر هزيمة و معها استفاق الشعب و ثار على النظام الحاكم و اعتقل ( خورخى فيديلا ) و حكم عليه بالسجن مدى الحياة ..
– منذ 1983 نستطيع القول أن الأرجنتين بدأت فى السير فى الطريق الصحيح و لكن كانت كمية الديون و فوائدها تكبل الدولة فكلما تقدموا خطوة تراجعوا فيها بسبب أقساط الديون و فوائدها و لكن إجمالاً كان الإقتصاد يسير للأمام و كانت الفترة الذهبية فى تلك المرحلة من 1989 حتى 1996 فنسب الفقر تراجعت من 38 % إلى 13 % و قلت نسبة البطالة بنسبة طفيفة من 20 % إلى 18 % و لكن مع وجود ذلك الشيطان المسمى ( صندوق النقد الدولى ) الذى و كلما احتاجت الأرجنتين تعديل كفة عجز موازنتها هرول إليها هو و مجموعة الدائنين و أقرضوها حتى اعتمدت عليه أغلب الحكومات دون أدنى إعتبار للتجارب الفاشلة مع هذا الكيان حتى وصل إجمالى الديون المستحقة عليها 145 مليار دولار ..
– بدأت السياسات الرأسمالية و سياسات السوق المفتوح غير المقيد فى عهد الرئيس #كارلوس_منعم و التى عانى منها عامة الشعب و إستشعر الأثرياء منهم حجم الأزمة المقبلة فتم تحويل ما يقارب ال 40 مليار دولار خارج البلاد فى وقت قياسى مما تسبب فى أزمة دولارية كبيرة فى البلاد و تدريجياً بدأت الإضطرابات و صارت المواجهات العنيفة فى الشوارع مظهر من مظاهر الحياة اليومية .. الخطف و السرقة و الجوع صار شيئاً مألوفاً .. تم تجميد الحسابات الدولارية و سمح بسحب 250 دولار فقط أسبوعياً .. معدل البطالة تخطى ال 25 % .. وصل سعر الدولار فى السوق السوداء إلى 15 بيسو رغم أن السعر الرسمى كان 9.3 بيسو فقط .. الأصعب توقف الحركة التصديرية تماماً و خوف المستوردين من عدم جودة المنتجات الأرجنتينية .. و فى عام 2001 و فى ديسمبر تحديداً لم يستطع الإقتصاد التحمل أكثر و فى عهد الرئيس #فرناندو_دى_لاروا إنهار كل شيىء و نزلت الحشود الغاضبة فى الشوارع حتى أجبر الرئيس على الإستقالة و الهروب خارج البلاد .
– كل من له صلة بالإقتصاد ألقى باللوم على صندوق النقد الدولى كمتهم أول و رئيسى .. ليه ؟؟
الصندوق عشان يقرض دولة بيفرض عليها أسلوب إدارتها للقرض ده عشان يضمن فلوسه لكن فى الأغلب الشروط دى مبتجيبش نتيجة لإن القائم بيها مبيكونش عنده الخبرة الكافية لتنظيم أمور الدولة المالية .. الصندوق فرض على الأرجنتين بعض الأمور :
* التوسع فى الخصخصة .
* رفع يد الدولة عن السيطرة على سوق النقد .
* تخفيض معدلات الفائدة لجذب المستثمرين .
* إلغاء القيود على الإستيراد و التصدير ( تحرير النشاط التجارى )
الشركات متعددة الجنسيات و البنوك الأجنبية شافت إن دى فرصة عظيمة لإستغلال دولة مريضة و اشتروا أصول الدولة بأسعار بخسة و فى فترة قصيرة إتباع 40 % من مشروعات الأرجنتين المنتجة .. 90 % من بنوك الأرجنتين أصبحت تحت يد بنوك أجنبية و مع الوقت حققوا أرباح و طبعاً حولوها كلها لدولار عن طريق البنك المركزى و بعدين حولوها كلها خارج الأرجنتين بسرعة فائقة و ده طبعاً أدى لتفاقم الأزمة و رغم كل الإنهيار ده إلا إن صندوق النقد الدولى و حتى أخر لحظة قبل إعلان الإفلاس كان بيصف الأرجنتين بالتلميذ النموذجى و المثال الأفضل لتطبيق الإصلاحات .. شيىء يدعو للسخرية !!
– جاء الرئيس #نيستور_كيرشنير فى مايو 2003 و معه تحسنت الأرقام بشكل تدريجى و كبير و لكن فى المقابل فالرجل أخذ قرارات غاية فى الصعوبة و التهور .. تعرفوا عمل إيه ؟ لن تتخيلوا .. عمل عكس ما كان ينصح به صندوق النقد تماماً :
* خصص مليار دولار لرفع مستوى معيشة 60 % من السكان تحت خط الفقر .
* خصص 8.2 مليار دولار لإفتتاح مشاريع إنتاجية و لخلق فرص عمل .
* خفض ميزانية الجيش و الشرطة .
* خفض الإنفاق فى المصالح الحكومية بما قيمته 10 مليار دولار .
* زود تمويل التعليم و الصحة فى الموازنة .
* إهتم بالبنية التحتية .
* مصادرة كل الحسابات الدولارية و تحويل أرصدتها للعملة المحلية .
* تعويم العملة تعويماً كاملاً .
* أعاد هيكلة النظام الضريبى بالكامل .
* شجع الصناعات التصديرية .
* أصعب قرار خده هو إعلانه للدول و المؤسسات الدائنة بأن الأرجنتين غير قادرة على سداد ديونها أو فوائدها .
* أقام منطقة حرة كبيرة شملت الأرجنتين و البرازيل و الأورجواى و الباراجواى و حسن علاقاته مع فنزويلا و بوليفيا .
و بسبب حسن إدارته تم إنتخاب زوجته #كريستينا_فيرنانديز كرئيسة للبلاد من بعده و لفترتين متتاليتين و معهم وصلت الأرجنتين أن تكون ثانى أقوى إقتصاد فى أميركا الجنوبية بعد البرازيل بناتج إجمالى محلى 579 مليار دولار فى المركز 21 عالمياً و أطلق فى عهد زوجته ثانى قمر صناعى للإتصالات و صرحت بأن الأرجنتين تنوى إطلاق 8 أقمار صناعية خلال 20 عاماً ..
طيب طالما الأرجنتين إقتصادها تحسن فليه متدفعش ديونها ؟
– بالفعل الأرجنتين و فى عهد #كيرشنير عام 2005 كانت بدأت بسداد جزء من الديون لكن عشان نعرف السبب الحقيقى للأزمة لازم نرجع لفترة 2001 لما الأزمة زادت و هرب الرئيس أصحاب السندات خافوا على أموالهم لدى الحكومة خصوصاً إن مبقاش فى حد يضمنهالهم فى الوقت ده .. فى مجموعة إستثمارية إسمها ( NML ) إستغلت حالة الفزع اللى عند المستثمرين و إشتروا منهم سنداتهم بسعر زهيد جداً و بعدها بدأت رحلة التقاضى مع الحكومة الأرجنتينية ..
– فى عام 2010 الأزمة تمحورت حول 81 مليار دولار و حاولت الرئيسة فيرنانديز سداد الباقى و قدرت توصل لإتفاق مع 93 % من مجموعة الدائنين إنهم يتنازلوا عن 70 % من قيمة سنداتهم و ياخدوا بما يوازى ال 30 % سندات جديدة مضمونة و محدد فيها توقيت السداد لكن مجموعة ( NML ) رفضت التفاوض على فلوسها و طلبت إنها تاخد 100 % من سعر السندات اللى بيملكوها و مش بس كده ده رفعوا على الحكومة الأرجنتينية قضية فى أمريكا اللى فيها المصرف المسئول عن التصفية و أخدوا عليها حكم بعدم سداد ال 93 % من حملة السندات إلا بعد سداد نسبتهم الأول كاملة و اللى قيمتها بالمناسبة 1.04 مليار دولار فقط .
طيب ليه الحكومة متدفعش مبلغ بسيط زى ده و تتفاوض بعد كده مع الباقى ؟
– المبلغ فعلاً بسيط جداً و لكن فى بند فى السندات يسمى ( الحقوق فى العروض المستقبلية ) و ده بيلزم الحكومة الأرجنتينية فى حالة التسوية بعدم المعاملة إلا بنسبة واحدة أو بمعنى أصح عدم التفاوض على نسبتين بين الدائنين فإذا كانت هتدفع 100 % لحملة السندات أصحاب ال 7 % من الديون فإنها هتكون مضطرة لدفع نفس النسبة لباقى حملة السندات ال 93 % و ده هيحملها عبء يوازى 550 مليار دولار و ده متقدرش عليه بكل تأكيد .
– و بكده لقت الحكومة الأرجنتينية نفسها فى مأزق شديد لإنها مش قادرة تدفع ال 100 % لمجموعة ( NML ) و لا قادرة تدفع ال 30 % لباقى حملة السندات و إضطرت إنها تعلن إفلاسها للمرة الثانية خلال 13 سنة فى عام 2014 و ده اللى خلى وكالة #ستاندرد_أند_بورز تخفض التصنيف الإئتمانى للأرجنتين إلى درجة ( الإفلاس الإنتقائى ) يعنى أفلست بمزاجها لحين التوصل لإتفاق مع دائنيها و لسه مفيش جديد و مش قادرين يوصلوا لإتفاق و ده خلى الأرجنتين مش قادرة تقترض من أى مؤسسة أو جهة فى العالم لحد النهاردة و أقصى ما يمكن إنها تعمله هو إصدار سندات جديدة و ده اللى عملته بالفعل فى إبريل 2016 لما أصدرت سندات بقيمة 16.5 مليار دولار لفترات تتراوح من 3 سنوات و حتى 30 سنة ..
– كل ده بسبب توسعهم فى القروض فى فترات سابقة مع صندوق النقد الدولى و غيره من المؤسسات و يحمل عبء القروض دلوقت أجيال غير مسئولة أبداً عن سوء إدارة الحكومات السابقة .
الإقتصاد الأرجنتينى فى أرقام :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الناتج المحلى الإجمالى : 579 مليار دولار
* نمو الناتج المحلى : 0.5 %
* الصادرات : 85.69 مليار دولار
* الواردات : 83.95 مليار دولار
* فائض الميزان التجارى : 1.74 مليار دولار
* الدين العام : أخر المعلومات المتوفرة بتقول حوالى 81 مليار دولار
* نصيب الفرد من الناتج الإجمالى : 12751.4 دولار ( غير معروف نصيب الفرد من الديون )
* الإستثمار الأجنبى المباشر : 10.52 مليار دولار
* إحتياطى النقد الأجنبى : 23.42 مليار دولار
* إحتياطى الذهب : 2.1 مليار دولار
* معدل التضخم : 10.6 %
* نسبة البطالة : 8.2 %
* التعليم : 98 %
#حكمة_اليوم
ـــــــــــــــــــــــ
( إبتعد عن صندوق النقد الدولى إن لم يكن لديك الخبرة فى إدارة الديون )
مراجع :
ــــــــــــ