فنزويلا .. عندما يقتل الفساد وطناً ( جـ 4 )

فنزويلا .. عندما يقتل الفساد وطناً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزء الرابع :
ــــــــــــــــــــــ

منذ بداية شهر إبريل 2002 إتضح أن الغضب الشعبى ضد سياسات ‏تشافيز قد وصل إلى حد خطير .. القوى المدنية حشدت قواها و الشارع ‏كان معها بشكل كبير و الجيش لم يكن ولاءه بالكامل لتشافير .. الغالبية ‏معه بالطبع و لكن هناك قطاع كبير يرفض وجوده .. الكل كان يتحرك فى ‏الخفاء لإزالة الرجل من السلطة ..

ـــــ

فى 11 إبريل وصلت المواجهات إلى المرحلة الدموية .. 20 شخصاً قتلوا و ‏‏112 أصيبوا .. فى ذلك الوقت قرر الضباط المناوئين لتشافيز التحرك .. ‏حاصروا الرجل فى قصر ميرافلوريس و طلبوا منه الإستقالة .. وافق ‏تشافيز بشروط .. أن يُسمح له بالإستقالة أمام الجمعية الوطنية ‏للدستور .. أن يُمرر السلطة حسب الدستور إلى نائب الرئيس .. أن ‏يَخرج هو و أسرته متوجهين إلى كوبا .. أن يُدلى بخطاب أخير إلى الأمة ‏فى بث مباشر يذاع عبر التلفاز .. شروط لم تلقى قبولاً عند منفذى ‏الإنقلاب الذين هددوه بقصف القصر إذا لم يستقيل ..

تشافيز لم يرفض الإستقالة .. كل ما أراده هو حماية الدستور و أن تتم ‏كل الإجراءات عبره .. فى الوقت التى كان فيه قادة الإنقلاب مختلفين ‏حول طريقة التعامل معه كان تشافيز يتواصل مع رئيس أركان الجيش ‏‏#لوكاس_رينكون الموجود فى قاعدة #فويرتى_تيونا العسكرية .. سيدى ‏الرئيس هم مصممون على استقالتك .. أدرك تشافيز أن الحلقة تضيق و ‏على ما يبدو فإن مقتله محققاً ..
ـــــ

فى مفاوضات سريعة لم تفضى إلى شيء قرر قادة الإنقلاب التحرك ‏وحدهم .. قبضوا على تشافيز و ذهبوا به إلى قاعدة فويرتى تيونا ثم ‏أعلنوا إستقالته فى الثانية صباحاً .. لم يجد تشافيز مفراً من قبولها و ‏أخبرهم أنه سيسلم نفسه إليهم و أنه سيعتبر نفسه رئيساً أسيراً .. ‏الأجواء وقتها كانت تقول بأن تشافيز انتهى فعلياً حتى أنه استدعى رجل ‏الدين #المونسنيور_بالتزار_بوراس ليطلب منه العفو و الغفران .. تشافيز ‏إختار بوراس تحديداً لأنه فى أحد الأيام وصفه بشيطان يلبس لباس ‏كنسى ..

بعد ساعة و نصف تم تعيين ‏‏#بيدرو_كارمونا رئيساً مؤقتاً .. القادة ‏العسكريون عينوا كارمونا لسببين .. أولاً هو وجه مدنى يمحو نسبياً ‏الصبغة الإنقلابية لتحركهم .. ثانياً الرئيس المؤقت لم يكن يُسمح له ‏بخوض الإنتخابات الرئاسية لاحقاً و بالتالى اختار العسكريين الإبتعاد عن ‏هذا المنصب المؤقت فى سبيل الحصول على المنصب الدائم ..

فى تلك الأثناء كان القلق يعتصر تشافيز .. فى أى لحظة سيقتلونى .. ‏يجب على إتخاذ إجراء يمنعهم من قتلى .. وجد ضالته فى اتصال هاتفى ‏أجراه مع ابنته و أخبرها بالتواصل مع الرئيس الكوبى فيدل كاسترو عن ‏طريق بعض الموالين له فى قصر ميرافلوريس .. خلال دقائق كانت أخبار ‏إحتجاز تشافيز فى التلفزيون الكوبى و منه خرجت إلى العالم كله .. ‏تشافيز لم يستقيل و هناك إنقلاباً يجرى فى فنزويلا ..

ـــــ

مدعية عسكرية شابة قابلت تشافيز لتستقصى منه حول الإجراءات ‏التى أمر بها يوم الحادى عشر من إبريل لتحدد حجم مسئوليته عن ‏مقتل المتظاهرين .. تشافيز أخبرها بالحقيقة و أكد على عدم إستقالته ‏و أعطاها بياناً كتبه بخط يده يسرد فيه ما حدث و طلب منها إيصاله إلى ‏المدعى العام الفنزويلى #أسياس_رودريجيز .. بوصول البيان إلى ‏المدعى العام دعا على الفور وسائل الإعلام إلى مؤتمر صحفى قال فيه ‏كل ما وصله من معلومات و على الرغم من قطع الإرسال عنه أكثر من ‏مرة إلا أن المعلومات وجدت طريقها إلى الشارع ..

خلال لحظات من نهاية المؤتمر كان مؤيدى تشافيز من الطبقة الفقيرة ‏يبحثون فى كل مكان عن الأسلحة .. أسلحة بكافة أنواعها كانت فى ‏حوزة عشرات الآلاف من الناس .. بهذا استطاع تشافيز تأخير مقتله ‏على الأقل .. لو حدث له مكروه لانهارت الدولة و لاندلعت حرباً أهلية فى ‏الشوارع ..

ـــــ

فى صباح اليوم التالى أدى بيدرو كارمونا اليمين كرئيس مؤقت للبلاد و ‏على الفور حاول الرجل و من وراءه قادة الإنقلاب إقرار وضع سياسى ‏جديد بأقصى سرعة .. هم الآن يسابقون الزمن .. يجب أن يرى العالم أن ‏هناك نظاماً سياسياً جديداً فى البلاد و أن العجلة لن تعود إلى الوراء .. ‏ذلك التسرع أضرهم أكثر مما أفادهم ..

خلال ساعات قليلة تم إصدار عشرات القوانين الطارئة .. على سبيل ‏المثال أعاد إسم الدولة إلى ما كانت عليه .. ألغى تصدير النفظ لكوبا .. ‏ألغى 49 قانوناً إقتصادياً كان قد تم تمريرها قبل عدة أشهر معتبراً إياها ‏تضر الإقتصاد .. تم عزل الضباط الموالين لتشافيز و نقل أخرين لمواقع ‏نائية .. حل الجمعية الوطنية للدستور .. حل المحكمة الدستورية العليا ‏‏.. ألغى دستور 1999 الذى وضعه تشافيز .. أعلن عن إنتخابات برلمانية ‏بعد ثمانية أشهر على الأكثر توطئة لإقرار دستور جديد .. أعلن عن ‏إنتخابات رئاسية بعد عام على الأكثر .. أعفى النائب العام و حكام ‏الولايات و رؤساء البلديات المنتخبين خلال فترة تشافيز من وظائفهم .. ‏أوقت سلطة الوزراء الحاليين مع تعيين حكومة مؤقتة .. أعاد رئيس شركة ‏النفط الوطنية الذى عزله تشافيز .. أعلنوا زيادة إنتاج النفط و هو ما يعنى ‏إنفصالهم رسمياً عن منظمة أوبك ..

ـــــ

بينما كانت مجموعة المدنيين المشاركين فى الإنقلاب يقومون بتعديل ‏الأوضاع السياسية كانت مجموعة العسكريين لها إهتمامات أخرى .. ‏محاكمة تشافيز كانت أولى أولوياتهم و لهذا رفضوا طلبه بمغادرة البلاد ‏إلى كوبا .. اهتموا بالقبض على رجال تشافيز المقربين أكثر من حفظ ‏الأمن فى الشارع .. كان هناك إنقسام واضح فى الجبهة المعارضة .. ‏إختلاف الأهداف و الرؤى و ضعف التنسيق فيما بينهم أنتج وضعاً داخلياً ‏يميل إلى تشافيز بالتدريج ..

عدم مغادرة تشافيز للدولة و خروج بيانه للعامة على لسان النائب العام ‏و دعم بعض العسكريين له و إنضمام شريحة كبيرة من الفئة الفقيرة إليه ‏بالإضافة لتخوف الكثيرين من الطبقة الوسطى لارتداد البلاد لمرحلة ما ‏قبل تشافيز و التى عانوا فيها إقتصادياً .. حالة التسرع الشديدة فى إقرار ‏قوانين جديدة جعل حتى الذين على الحياد يخشون عودة البلاد إلى ‏الوراء ..

فى مساء نفس اليوم تم نقل تشافيز إلى قاعدة بحرية فى منطقة ‏توريامو و بدأت الحرب النفسية تجد صداها عند قادة الإنقلاب .. لو قتلنا ‏تشافيز الآن لن ينجو منا أحد .. على الجانب الأخر استطاعت فرقة ‏تشافيز العسكرية تنظيم صفوفها و مع دعم مالى من أحد قادة الجيش ‏يدعى #راؤول_بادويل استطاعوا بمساعدة كثير من المؤيدين إستعادة ‏قصر ميرافلوريس مرة أخرى و أعلنوا أن تشافيز لازال الرئيس و أن عودته ‏إلى القصر مسألة وقت ..

ـــــ

عودة تشافيز للحكم لم تكن إنتقامية لمن قاموا بالإنقلاب و لكنه فى ‏المقابل توسع كثيراً فى دعم الجيش عسكرياً .. زاد من عدد قوات ‏الجيش و إشترى لهم سلاحاً جديداً .. فعل ذلك لمواجهة أى اضطرابات ‏قد تواجهه لاحقاً .. على ما يبدو فقد كان يشعر أن الوضع الأمنى لم ‏يستقر تماماً .. تسعة عشر ألف عامل فى شركة النفط الوطنية قاموا ‏بالإضراب فجأة و بدلاً من التفاهم معهم و الوصول إلى حل قام تشافيز ‏بالتصرف الأكثر تهوراً .. أقال التسعة عشر ألف عامل و عين بدلاً منهم ‏مئة ألف من مؤيديه .. النتيجة كانت إنهيار فى معدلات الإنتاج بسبب ‏خروج العمالة الماهرة من الخدمة و إحلال عدداً أكبر لا تحتاجهم الشركة ‏فعلياً و لا يفقهون شيئاً فى إدارتها فمثل هذا عبئاً مادياً على الشركة ‏بسبب ضعف الإيراد و إرتفاع فاتورة الأجور ..

ـــــ

بدا أن الدولة تتحول إلى الإشتراكية المتطرفة و بدت معها المعارضة ‏ضعيفة لا تستطيع مواجهة الرئيس القوى الذى عاد إلى السلطة بعد ‏محاولة الإنقلاب عليه .. أقصى ما استطاعته المعارضة هو الدعوة ‏للإستفتاء على استمرار الرئيس و هو طلب قانونى و شرعى لم يجد ‏تشافيز مفراً من قبوله و على غرار ما سبق من إنتخابات لم تخيب ‏الطبقة الفقيرة ظن تشافيز و منحته 59 % من الأصوات فاستمر الرجل ‏فى منصبه و مع استمراره دخلت البلاد مرحلة جديدة من الإشتراكية .. ‏إشتراكية القرن الحادى و العشرين .. هكذا أطلق عليها تشافيز ..

بعد فوزه فى إنتخابات عام 2006 أعلن أن الأحزاب اليسارية التى دعمته ‏فى الإنتخابات سيتم دمجها جميعاً فى حزب جديد هو حزب فنزويلا ‏الإشتراكى الموحد ‏‎#PSUV‏ .. ضمن الرجل شريحة داعمة له فى ‏الإنتخابات تصل إلى 5.7 مليون شخص .. أكبر شريحة داعمة لأى رئيس ‏فى تاريخ البلد اللاتينى .. هكذا لن يستطيع أحد الإنتصار عليه فى ‏الإنتخابات إلا بمعجزة .. بعد عام من إنتخابه دعا إلى تعديل الدستور و ‏أعطى لنفسه صلاحيات جديدة .. زادت الفترة الرئاسية إلى سبع ‏سنوات و أتاح لنفسه الترشح لعدد غير محدود ..

ـــــ

فى عام 2013 كان مرض السرطان قد استبد بالرجل بعد أن أصيب به ‏عام 2011 و بعد رحلة معاناة مع المرض اللعين توفى تشافيز فى 5 ‏مارس 2013 بعد أن تم إنتخابه رئيساً للمرة الرابعة لكنه و بسبب المرض ‏لم يكن قد تسلم مهام الرئاسة رسمياً .. توفى تشافيز بعد أن ترك وطناً ‏تطغى عليه الصبغة الإشتراكية .. نعم إنخفضت معدلات الفقر فى عهده ‏من 44 % إلى 27.3 % و نعم كانت الطبقى الفقيرة تؤمن به بشده و ‏يحسب له إنتماؤه لها حتى أخر يوم فى عمره إلا أنه فى المقابل أورث ‏البلاد أزمة ستظهر آثارها فى عهد خلفه #نيكولاس_مادورو ..

نعم مشاريع إشتراكية مثل مشروع الثلاثة ملايين وحدة سكنية ( تم ‏تسليم ثمانمائة ألف وحدة فقط ) ساهمت فى رفع مستوى عدداً لا ‏بأس به من الشعب إلا أنه فى المقابل فقد سمح للجيش بالتوغل ‏الإقتصادى فى كل شيء .. إنهارت الصناعة و التجارة فى عهده و صارت ‏الدولة تعتمد على النفط بشكل كامل فى توفير إحتياجاتها حيث مثل ‏نسبة 95 % من الصادرات بعد أن كان يمثل 85 % فقط وقت توليه ‏الرئاسة لأول مرة ..

نعم إرتفع مستوى المعيشة نسبياً لغالبية الشعب إلا أن الفساد ‏الحكومى استشرى أكثر فى عهده و أصبح الإعتراض على ‏سياسات الحزب الحاكم أصعب بمرور الوقت .. حتى ملف الديون ‏الخارجية فشل فيه الرجل فبعد أن كانت الديون فى عهد سابقه #كالديرا ‏أقل من 30 مليار دولار تركها تشافيز فوق حاجز 75 مليار دولار .. الإنهيار ‏الصناعى و الزراعى و التجارى كان ينال من الدولة تدريجياً مما أجبر ‏تشافيز على الإقتراض لتطبيق خططه الإشتراكية المكلفة ..

ربما يكون الرجل حسن النية و ربما هو نصير الفقراء فعلاً لكنه استخدم ‏الطريقة الأسهل فى التعبير عن هذا الحب و أورث شعبه أزمة إقتصادية ‏سيعانى منها خلال سنوات قليلة ..

فنزويلا .. أنتى على موعد مع المجاعة ..

ـــــ

فى الصورة :
ــــــــــــــــــــ

حشود من الشعب الفنزويلى تودع جثمان الرئيس هوجو تشافيز إلى ‏مثواه الأخير ..

ــــــ‎

لقراءة الموضوع على التطبيق الخاص بالكاتب على جوجل بلاى‎ :
https://play.google.com/store/apps/details?id=com.amkamel.arabyhost
‏ ‏‎
لقراءة الموضوع على التطبيق الخاص بالكاتب على آب ستور‎ :
https://itunes.apple.com/app/id1432249734
‏ ‏‎
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ